الشيخ الصدوق
المقدمة 151
الإعتقادات ( تحقيق مؤسسة الهادي ع )
يكون عنى معنىً بتّة ، ويكون الكلام هذراً ، والنبي لا يهذر في قوله ، لأنّه إنّما كلّمَنا ليُفهمنا ويُعلّمنا عليه السلام . فلو جاز أن يكون عنى بعض منازل هارون من موسى دون بعض ، ولم يكن في الخبر تخصيص ذلك ، لم يكن أفهمنا بقوله قليلًا ولا كثيراً ؛ ولمّا لم يكن ذلك وجب ، أنه عنى كلّ منزلة كانت لهارون من موسى ممّا لم يخصّه العقل ولا الاستثناء في نفس الخبر . وإذا وجب ذلك فقد ثبتت الدلالة على أنَّ علياً عليه السلام أفضل أصحاب رسول اللَّه وأعلمهم وأحبّهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وأوثقهم في نفسه ، وأنّه يجب له أن يخلّفه على قومه إذا غاب عنهم غيبة سفر أو غيبة موت ، لأنّ ذلك كلّه كان في شرط هارون ومنزلته من موسى . فإن قال قائل : إنَّ هارون مات قبل موسى ولم يكن إماماً بعده ، فكيف قيس أمر علي عليه السلام على أمر هارون بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « هو منّي بمنزلة هارون من موسى » وعلي عليه السلام قد بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قيل له : نحن إنّما قسنا أمر عليّ على أمر هارون بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « هو مني بمنزلة هارون من موسى » فلمّا كانت هذه المنزلة لعلي عليه السلام وبقي علي ، فوجب أن يخلف النبي في قومه بعد وفاته . ومثال ذلك ما أنا ذاكره إن شاء اللَّه : لو أنَّ الخليفة قال لوزيره : « لزيد عليك في كلّ يوم يلقاك فيه دينار ، ولعمرو عليك مثل ما شرطته لزيد » فقد وجب لعمرو مثل ما لزيد ، فإذا جاء زيد إلى الوزير ثلاثة أيام فأخذ ثلاثة دنانير ، ثمَّ انقطع ولم يأته ، وأتى عمرو الوزير ثلاثة أيام فقبض ثلاثة دنانير ، فلعمرو أن يأتي يوماً رابعاً وخامساً وأبداً وسرمداً ما بقي عمرو ، وعلى هذا الوزير ما بقي عمرو أن يُعطيه في كلِّ يومٍ أتاه ديناراً ، وإن كان زيد لم يقبض إلّاثلاثة أيام ، وليس للوزير أن يقول